محمد بن محمد ابو شهبة

159

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

فقدم مكرز بن حفص في فداء سهيل بن عمرو ، وكان سهيل رجلا أعلم « 1 » من شفته السفلى ، فقال عمر بن الخطاب لرسول اللّه : ( دعني أنزع ثنية سهيل بن عمرو فيدلع « 2 » لسانه ، فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا ) ، فكان جواب النبي هذا الجواب البالغ السمو في الرحمة والإنسانية : « لا أمثّل ، فيمثّل اللّه بي ، وإن كنت نبيا وعسى أن يقوم مقاما لا تذمه » . وقد صدقت نبوءة الرسول ، فإنه لما جاور الرفيق الأعلى أراد بعض أهل مكة الارتداد كما فعل غيرهم من الأعراب والمنافقين ، فقام سهيل هذا خطيبا وقال بعد أن حمد اللّه وأثنى عليه وصلّى على رسوله : ( أيها الناس ، من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ، ومن كان يعبد اللّه فإن اللّه حي لا يموت ، ألم تعلموا أن اللّه قال : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ، وقال : وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ، ثم قال : واللّه إني لأعلم أن هذا الدين سيمتد امتداد الشمس في طلوعها ، فلا يغرنّكم هذا يريد أبا سفيان « 3 » - من أنفسكم ، فإنه يعلم من هذا الأمر ما أعلم ، لكنه قد ختم على صدره حسد بني هاشم ، وتوكلوا على ربكم ، فإن دين اللّه قائم ، وكلمته تامة ، وإن اللّه ناصر من نصره ، ومقر دينه ، وقد جمعكم اللّه على خيركم يعني أبا بكر - وإن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة ، فمن رأيناه ارتد ضربنا عنقه ) فتراجع الناس عما كانوا عزموا عليه ، فكان معجزة من معجزات النبوة . ومن الأسرى : عمرو بن أبي سفيان بن حرب ، فقالوا له : افد عمرا ابنك فقال : لن يجتمع علي دمي ومالي ، قتلوا حنظلة وأفدي عمرا ؟ دعوه في أيديهم فيمسكوه ما بدا لهم . فبينما هو كذلك خرج سعد بن النعمان ، - وكان شيخا مسلما - إلى مكة معتمرا ، فعدا عليه أبو سفيان فحبسه بابنه عمرو ،

--> ( 1 ) أعلم : مشقوق الشفة . ( 2 ) يخرج عند الكلام . ( 3 ) لم يثبت أن أبا سفيان كان له موقف سيّىء بعد وفاة رسول اللّه ، ولقد أسلم الرجل وحسن إسلامه ، وأبلى في فتوح الشام بلاء حسنا ( الناشر ) .